الرئيس يجتمع مع رجال الدين

يوم 4 يوليو 2013م حضر فخامة الرئيس إمام علي رحمان رئيس جمهورية طاجيكستان اجتماعاً لرجال الدين وممثلي المجتمع المدني وألقى كلمة فيما يلي نصها:

  كلمة فخامة الرئيس إمام علي رحمان رئيس جمهورية طاجيكستان

في اجتماع ممثلي المجتمع المدني

دوشنبه، 4 يوليو 2013م

المواطنون الأعزاء،

الحضور الكرام،

يوم 9 يوليو سيحل شهر رمضان المبارك – شهر الخير والإحسان والفيض والبركات والرحمة والمغفرة. وبهذه المناسبة يطيب لي أن أتقدم إلى  أبناء شعب طاجيكستان الشرفاء وإليكم – الحضور الكرام – جميعاً بخالص التهاني سائلاً المولى القدير أن يسبغ عليكم في هذا الشهر الفضيل نعمة الصحة والعافية والصبر والورع.

والهدف من اجتماعنا بكم – ممثلي المثقفين والقيادات في الولايات والمدن والنواحي وموظفي الاقسام الاجتماعية لدي السلطات المحلية والمجالس البلدية في المدن والأرياف، وكذلك خدَمَة المساجد والمؤسسات الدينية العاملة في البلد – هو قبل كل شئ تحسين العمل لحفظ المصالح الوطنية والقيم الثقافية والدينية بغية تعزيز الوضع الحالي المعتدل والحيلولة دون محاولات الإخلال بالمناخ الديني والسياسي في البلد.

ونظراً لكون أغلبية مواطني بلدنا من المسلمين وآخذاً بالحسبان الظرف الدقيق والمعقد غاية الدقة والتعقيد والذي يمر به اليوم عالمنا المعاصر مع كل احترام لديننا الإسلامي الحنيف وقيمه السامية أود أن ألفت انتباهكم إلى بعض قضايا هامة لسياسة دولتنا حول حرية العبادة وتقاليدنا وعاداتنا القومية.

وطبعاً من بواعث الاعتزاز والابتهاج أن الاحترام الواقعي للقيم القومية والدينية، لا سيما قيم الدين الإسلامي الحنيف وإحياء أفضل السنن التاريخية والثقافية قد اصبح من الممكن بمحض الاستقلال الوطني.

وهذا يعني أن الاستقلال الوطني قد هيأ أرضية لتعميق جذور الوعي القومي والديني والحرية والعزة الوطنية. وفي الوقت نفسه قد اصبحت عملية إحياء وصيانة القيم القومية عاملاً من أهم العوامل المعنوية لترسيخ دعائم الاستقلال الوطني.

ونتيجة لذلك غدا مجتمعنا اليوم يبدي اهتماماً متزايداً بالتاريخ والثقافة والتقاليد والسنن القومية.

وليس من باب الصدفة أن يهتم أيما شعب بسننه التاريخية والثقافية والدينية.

وإننا في هذه المسألة، إذ نقف إلى جانب حوار الحضارات وإقامة الروابط الودية بين الثقافات، نؤكد مرة أخرى أن لكل ثقافة قيمها التي لا تتكرر فينبغي أن نكن لها الاحترام وأن نصونها، كما أن من حقوق وواجبات كل شعب تنمية ثقافته القومية.

إن الثقافة القومية الطاجيكية قد تشكلت على امتداد ما يزيد عن 1400 سنة الأخيرة بالتفاعل مع قيمنا الدينية وأن دولتنا المدنية تتعامل مع هذه الحقبة التاريخية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الثقافة القومية.

وإن لثقافتنا الإسلامية كجزء من الثقافة القومية جوانب قيمة حيوية يمكن أن يخدم استغلالها السليم الرشيد لإعمار مجتمع قائم على العدل وصيانة وتعزيز السلم والأمن العام والاستقرار السياسي في البلد.

وفي السنوات الأخيرة قامت دولة وحكومة طاجيكستان باتخاذ عدد من اجراءات من أجل تنمية ثقافة المجتمع الإسلامية.

وبمحض الاستقلال الوطني أتيح لنا أن نحيي قيمنا القومية والدينية وأن نقر بحقوق وحريات الإنسان، منها حق العبادة كقيمة عليا مع ضمان ممارستها.

وكانت السيادة إلى جانب بناء الدولة القومية وإحياء الثقافة القومية والسلم والاستقرار والوحدة الوطنية قد أسهمت في إحياء القيم الدينية وتطلعات شعبنا التاريخية.

ولأجل الإجلال بالدور الكبير للمذهب الحنفي في الإسلام في تطوير الثقافة القومية والحياة المعنوية للشعب الطاجيكي قمنا بعدد من الفعاليات، منها إقامة احتفالية الذكرى الـ 1310 من مولد صاحب المذهب الحنفي الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان (رحمه الله) وإعلان سنة 2009م سنة الإجلال بهذه الشخصية الإسلامية العظيمة وإقامة مؤتمر دولي بعنوان "الإمام الأعظم والعالم المعاصر" والاحتفالات بمولد الأمير سيد علي همداني ومولانا جلال الدين رومي وغيرهما من أعلام حضارة شعبنا الإسلامية.

وفضلاً عن ذلك فقد كان الاحتفال بعيدي رمضان والأضحى كأعياد وطنية واختيار مدينة دوشنبه عاصمة للثقافة الإسلامية واستحداث مركز الدراسات الإسلامية لدي رئاسة الجمهورية ومنح جامعة طاجيكستان الإسلامية صفة حكومية وعدد آخر من الإجراءات على مستوى الدولة – كل ذلك دليل ساطع للإجلال بثقافتنا ومذهبنا الديني.

وإن جملة من الإجراءات الثقافية والتاريخية والدينية التي جاءت لتكون عاملاً مؤثراً لبناء الدولة القومية قد أتاحت لنا امكانية التجاوب مع مختلف تطلعات مجتمع عصري لأمة عريقة ذات ثقافة سياسية ودينية وأدبية وأخلاقية أصيلة وإعطاء غذاء معنوي لبلورة الوعي القومي لشعب طاجيكستان.

ووفرت السيادة الوطنية ظروفاً ليتم إلى جانب إحياء القيم المعنوية والدينية الحفاظ بصورة جلية على الحقوق والحريات الدينية للمواطنين في نظام دولة ديمقراطية ومجتمع مدني وإيجاد مناخ حر للتفكر الديني.

وبتوجيهات من رئيس الدولة تم لأول مرة نشر ترجمة معاني القرآن الكريم بالطاجيكية في ثلاث طبعات بإجمالي 200 ألف نسخة تم توزيعها بين الناس مجاناً.

ومن حساب ميزانية الدولة وصندوق الرئاسة الاحتياطي تم صرف عشرات الملايين ساماني لطباعة كتب علمية وأخلاقية وفكرية من الثقافة الإسلامية لتوضع في متناول أيدي القراء مئات من الكتب التاريخية القيمة التي كانت إلى يومنا هذا في زاوية من النسيان كـ "الجامع الصحيح" للإمام البخاري و"مسند" الإمام أبي حنيفة و"إحياء علوم الدين" و"كيمياء سعادت"  للإمام الغزالي.

ولكن كل ذلك لم يزل قليلاً، لذا تكلف لجنة الشئون الدينية وأكاديمية العلوم ومجلس علماء المركز الإسلامي في طاجيكستان للعمل لتوسيع نطاق عملية إعداد ونشر آثار أسلافنا العظام، بما فيه التراث القيم للإمام الأعظم والإمام البخاري وغيرهما من أعلام الحضارة الإسلامية.

وقد ازداد اليوم عدد المساجد من 17 في الزمن السوفيتي إلى أكثر من 4 آلاف وعدد الحجاج من 30 نفر إلى 200 ألف، وأخذت طاجيكستان تتصدر دول آسيا الوسطى من حيث عدد المساجد مقارنةً بعدد الأهالي.

واليوم مجرد ناحية واحدة في طاجيكستان تفوق بعض عواصم الدول الإسلامية بعدد مساجدها مقارنةً بعدد الأهالي.

مثلاً، في ناحية روداكي أو أية ناحية بولاية ختلان يأتي على كل 1600 نفر مسجد واحد، بينما نجد أن في العواصم الإسلامية مسجد واحد لعدد 2000 إلى 5000 نفر.

ويجري اليوم في عاصمة بلدنا إنشاء مسجد كبير بتكلفة تزيد عن 350 مليون ساماني يستخدم فيه بصورة واسعة فن العمارة الوطنية.

كما أن أتباع الإسماعيلية قد توفرت لهم الظروف اللازمة لأداء فرائضهم الدينية، حيث افتتح بمدينة دوشنبه مركز الإسماعيلية وهنالك في ولاية بدخشان الجبلية ذات الحكم الذاتي 83 خليفة يعملون بحرية وفي إطار متطلبات  القوانين.

 في الماضي كان من المستحيل القيام بمثل هذه الخطوات إطلاقاً. وهذه هي ثمار وبركات السيادة الوطنية والالتزام بمبادئ التسامح للمذهب الحنفي.

ومن الطبيعي أن نمو أعداد المساجد والمؤسسات الدينية مثال ساطع لضمان حرية العبادة وتوفير ظروف ملائمة لتنمية الثقافة والأخلاقيات الإسلامية.

وفي الوقت نفسه التمادي في بناء مساجد ومصليات في كل شارع وزقاق وكل حي ومحلة رياءً وتفاخراً قد يؤدي بنا إلى إثارة تفرقة وفتن بين المسلمين وإخلال بالوحدة والاستقرار في المجتمع خلافاً لما يحمله الإسلام والأديان السماوية الأخرى من رسالة ائتلاف واتفاق.

ومن الأهمية بمكان أن نتعظ باستذكار الحكم القرآني بشأن مسجد الضرار في زمن رسول الله (صلعم) وما كان فيه من فتنة قد تتكرر في تاريخ الأمة الإسلامية. وقال الله في كتابه العزيز:وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  (التوبة:107)

فالرسالة التاريخية للدين تتمثل في الوحدة واستقرار المجتمع، وليس في إثارة التفرقة بين أبناء الأمة الإسلامية. وبهذا المعنى تقول الآية الكريمة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا (آل عمران:103)

أو في آية أخرى يؤكد سبحانه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  (الحجرات:13)

فإن الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف قد جاء مراراً في الكتب السماوية الأخرى ايضاً لتؤكد على فائق الأهمية للتدبر من منظار جميع الأديان في الظروف الراهنة.

والواقع يشهد بأن الاستقلال الوطني قد أعطى دفعاً جاداً لتعزيز مناخ حر للعبادة، إلا أنه قد آن الأوان لنقوم بتحليل نتائج تلك الحريات الدينية ومدى تأثيرها على الاستقلال الوطني والهوية القومية.

ومن المؤسف أن القياس والاستنتاجات من حالة نمو مناخ المعتقدات الدينية باتت تثير القلق.

إن التطرف والخرافات وإثارة بذور الحقد والكراهية الدينية والمذهبية والانتحارات الدينية واستغلال الإسلام لأغراض سياسية وفئوية وفردية وغيرها من مظاهر غير مرغوب فيها أخذت منحى خطيراً يحملنا على اتخاذ تدابير حاسمة في هذا الانجاه.

كما ذكرت آنفاً، غير أن طاجيكستنان كانت يومذاك لا تملك أي مركز للتعليم الديني وفي السنة لم يكن يتخرج من مدرسة بخارى سوى نفرين وكان عدد الحجاج لا يتعدى أصابع اليد، إلا أن الوحدة والتفاهم وبر الوالدين والتسامح وتربية الأولاد في حب التعلم وسائر الأعمال الصالحة كانت على مستوى عال جداً.

أما اليوم بما لدينا من 4 آلاف مسجد و6 مدارس دينية عامة ومدرسة واحدة دينية خاصة وجامعة إسلامية مع أكثر من 7 آلاف خريج و 200 ألف حاج نجد أن المجتمع تعلو فيه النزعة إلى الخرافات والتطرف وحتى أن هناك ظواهر خطرة للإرهاب قد تم رصدها.

ووفقاً للمعلومات المتوفرة فإن أكثر من 80 أسرة طاجيكية تقيم في منطقة وزيرستان بجمهورية باكستان الإسلامية وأنتم تعلمون جيداً الهدف وراء التوجه إلى ذلك المكان.

وفوق ذلك فإن بعضاً من المواطنين الذين نالوا شرف حجاج البيت الحرام أخذوا يقدمون على ارتكاب الجرائم ومخالفة القوانين.

مثلاً، في عام 2012 وخمسة أشهر من هذا العام فقط صدرت عن 50 حاج أعمال جنائية.

وكان الأمل من وراء فتح عدد من المدارس الدينية أن نضمن لأولادنا التعليم الديني الصحيح، لكن عشرات منهم يقدمون على ارتكاب أعمال إرهابية. ولم يكن الآباء والأمهات ليرسلوا أولادهم إلى الخارج للتعليم الديني حتى يرجعوا إليهم أجساداً حصدها الموت أو نفوساً دخلت السجون بجرائم الإرهاب والتطرف ارتكبوها في داخل البلاد أو خارجها.

وفي سياق هذه الأحداث أود الإشارة إلى مسألة بصورة قاطعة وهي أن الذين يقدمون على أعمال منكرة ويسيئون استغلال النظام الملائم للمجتمع المدني يجب أن يعلموا أن الدولة إلى جانب ضمان الحقوق والحريات تقع على عاتقها مسئولية الإشراف على رعاية متطلبات القانون.

وإلى جانب ذلك ينبغي القول بأن الثقافة الدينية في بلدنا لا تقتصر على ثقافة الإسلام فقط.

واليوم في طاجيكستان أديان ومذاهب أخرى نكن الاحترام لأتباعها ومعتقداتهم الدينية وقيمهم الثقافية.

إذ إن التسامح من عوامل وجود المجتمع المدني ومن أصول ثقافتنا الدينية ومن أسس تعاليم صاحب مذهبنا الإمام الأعظم مما يمهد الطريق إلى التحاور والتعاون بين مختلف الأديان والمذاهب على أوسع نطاق.

وإن طاجيكستان الحديثة على أساس الدستور والمعايير الدستورية لعلمانية الدولة، كذلك بالاستفادة من تجربة التسامح الذي يتسم به  المذهب الحنفي ترعى حقوق العقائد والأفكار الأخرى بميزان من القيم الإنسانية العامة لحرية العبادة.

مع أن نسبة أتباع الديانات غير الإسلامية تؤلف ما لا يزيد عن 1.0 بالمئة، فإن 75 مؤسسة دينية غير إسلامية مسجلة في طاجيكستان لتقوم بتأمين ممارسة  شرائعهم الدينية.

وهذا المدلول اليوم أعلى من واقع الحال في أكثر دول العالم تقدماً وإن طاجيكستان باعتبارها دولة ديمقراطية وعلمانية سوف تبقى تكن الاحترام لأتباع الأديان الأخرى في إطار متطلبات القوانين وتؤكد على أنهم مواطنون مواطنة كاملة الحقوق في أداء شرائعهم وعليهم واجباتهم الوطنية في رعاية القوانين وصيانة السلم والاستقرار وأمن البلاد والوحدة الوطنية.

ويشهد التاريخ بأن الحضارة الإسلامية الأصيلة في كل وقت وزمان من تطورها اتسمت بروح التسامح والتواد والتعاون الدائم مع الحضارات الأخرى.

وبتقدير علماء الإسلام في العالم أن هذا التعاون البناء والتسامح وعلاقات المودة والتعايش والتفاعل مع الحضارات الأخرى – كل ذلك بحد ذاته جعل الإسلام ثقافة بناءة وحضارة متقدمة عالمية.

ومع ذلك فإن تجارب كثير من الدول المتقدمة في العالم تثبت حقيقة أن العلمانية هي التي توفر ظروفاً لنمو الثقافة القومية في اتصال بالقيم الدينية على ضوء متطلبات المجتمع وتتيح فرصة لحرية أداء الطقوس والشرائع.

وهذه العملية في نهاية الأمر تساعد الناس في توسيع الرؤية وعلو المستوى المعنوي.

واليوم قد توفرت لدي شعبنا المسلم جميع الظروف لأداء فرائضهم الدينية كلها  بحرية ولا مانع لذهابهم إلى المسجد وإقام الصلاة وصوم رمضان وأداء مناسك الحج، أي أن هذه هي حرية العبادة.

إن شعب طاجيكستان بعد نيله الاستقلال الوطني استناداً إلى ثقافته القومية والقيم الإنسانية العامة أختار له طريق بناء دولة ذات سيادة وديمقراطية وعلمانية تقوم على سيادة القانون مع إقامة علاقات رشيدة وتعاون مفيد بين الدولة العلمانية والدين وجاء دستور جمهورية طاجيكستان ليرسي قاعدتها القانونية.

ولا شك أن معرفة مكانة يستحقها الدين في الثقافة والفكر القومي يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقلال السياسي وتوطيد دعائم الدولة الوطنية وأن تصبح عاملاً هاماً لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الاستقرار والطمأنينة والأمن الدائم في المجتمع.

بناء على ذلك فإننا نتقبل القيم الدينية دوما كجزء مهم من الثقافة القومية ونتعاطى مع تنميتها كوسيلة مؤثرة للتربية الأخلاقية.

ومن بواعث الاعتزاز أن الشعب الطاجيكي العريق كان إلى جانب الشعوب الإسلامية الأخرى قد أسهم إسهاماً كبيراً في النهضة الثقافية والحضارية الإسلامية.

كما تعلمون أن أكثر من 60 بالمئة من أهل السنة والجماعة هم أتباع مذهب الإمام الأعظم الذي يعتبر صاحب أكبر مدرسة فقهية.

والإمام محمد اسماعيل البخاري المعترف به في العالم الإسلامي كمؤسس علم الحديث وكتابه "الجامع الصحيح" أعظم كتاب ديني بعد القرآن الكريم. وأبناء الشعب الطاجيكي الفضلاء من قبيل محمد جرير الطبري والزمخشري والماتريدي والقاضي أبي الليث وأبي حفص الكبير وعمر الخيام وشيخ الرئيس أبي علي بن سينا ومولانا جلال الدين رومي ونجم الدين كبرى وبهاء الدين النقشبند قد قدموا خدمات جليلة في تطوير العلوم والثقافة والحضارة الإسلامية.

وقد أصبح تراث علمائنا الذائع الصيت جزءاً أصيلاً من ثقافة شعبنا الثرية، مما يجعلنا أن نهتم اهتماماً دائماً في نهج سياسة دولتنا ذات السيادة بتنمية الثقافة الدينية أسوة بعناصر أخرى في الثقافة القومية.

لأننا نريد أن نبحث عن ملامح قومية وثقافية خاصة تليق بنا في المجتمع الدولي. ولنا في هذا السياق  انجازات تُذكر وأن تبني مبادرات طاجيكستان من قبل الأمم المتحدة خير دليل على علو مكانتنا في الأسرة الدولية.

ولكن، مع الأسف،  هنالك بعض فصائل ودوائر لم تدرك صحة السياسة التي تنتهجها دولتنا وهي تريد الحد من ثقافتنا الثرية ذات الألوان في الماضي والحاضر في إطار قيمها الدينية أو يضعونها في مواجهة القيم الفكرية وهذا محض اشتباه.

إن هذه القيم لا يجوز أن نضعها قبال بعضها البعض أن تتصادم، بل يتوجب علينا أن ننميها وفقاً لمقتضيات الزمن والمصالح الوطنية.

فلا ينبغي أن ننسى أن الطاجيك أصحاب تاريخ مؤكد يمتد إلى أكثر من 5 آلاف سنة وكانت لهم قبل نشأة الإسلام ثقافة أصيلة وتقاليد عريقة لإدارة الدولة.

غير أن دولة الطاجيك طيلة القرون الماضية تعرضت مراراً لهجمات وضغوط أجنبية، إلا أن آباءنا بفضل لغتهم وثقافتهم العظيمة وحدها استطاعوا الاحتفاظ بتقاليد إدارة الدولة أو يعيدونها إلى الحياة ثانية.

وليس عبثاً أن العلماء الأوروبيين قد أوردوا ثقافة الشعب الطاجيكي ما قبل الإسلام إلى عداد الثقافات المحورية، تقديراً لما قامت به من أثر عميق في بلورة ونمو ثقافات الشعوب الأخرى ودور بارز في ازدهار الثقافة الإسلامية.

مع أن أسلافنا بعد اعتناق الإسلام قد دخلوا إلى بيئة الثقافة الإسلامية، لكنهم عن طريق اللغة والثقافة والتقاليد والسنن التاريخية لهم حافظوا على هويتهم القومية ومن خلال إحياء وصيانة لغة الأم والتقاليد القومية تمكنوا من إقامة الدولة الصفارية والطاهرية ومن ثم الدولة السامانية المتمركزة وبعدها الدولة الغورية.

وإن الدولة القومية الحديثة يمكن أن تعيش في ظل صيانة وتنمية القيم والهوية القومية.

وفي ظروف العولمة المتسارعة لا يمكننا ضمان أمن الدولة والمجتمع والوحدة الوطنية والحياة الهانئة المطمئنة وثبات دعائم الدولة القومية ما لم نبذل جهوداً متواصلة للارتقاء بالمعارف السياسية والوعي القومي وما لم يتم تسخير قيمنا الدينية لتنمية البلد وإضفاء لون جديد إلى حياتنا المعنوية.

ويجب علينا أن نؤكد دوماً للجيل الناشئ الذي سوف يواصل حمل الرسالة التاريخية العظيمة لإدارة الدولة أن يجتنبوا التطرف والخرافات والإفراط وضيق النظر الديني والمذهبي. كما أن من واجبنا أن نقوي مشاعر العزة الوطنية وحب الوطن والمواطنة لدي أبنائنا ليتربى فيهم احترام القيم الثقافية الثرية المتلونة لماضي أمتنا التليد.

وإننا في هذه المسألة ينبغي أن نتلقى دروساً وعبراً من تجارب إيجابية للدول المتقدمة.

فعلى سبيل المثال، إن معظم الشعوب الأوروبية كانت حتى القرن الرابع الميلادي، أي ما قبل المسيحية كانت تعتنق ديانات تعدد الآلهة الآرية الأوروبية.

كما أن أهل اليونان والروم كانت لديهم ثقافة علمية وفلسفية غنية وحضارة متقدمة اصبحت في بيئة الدين المسيحي أرضية أساسية لعهد النهضة في أوروبا.

واليوم نجد أن الأوروبيين لا ينكرون ثقافتهم ما قبل المسيحية ولا يتطاولون بأدنى محاولة على صدام مرحلتين من تطورهم الثقافي.

كان أسلاف الشعب الطاجيكي قبل انتشار الإسلام أصحاب ثقافة وحضارة وكتابة وديانة عريقة، فلا يجوز لنا اليوم من باب التعصب والجهل الديني أن ننكر ماضينا بإبطال صفحات ذهبية من تاريخ شعبنا الضارب إلى أعماق التاريخ بآلاف السنين.

كما نلاحظ أن بعضنا استخفافاً بقيمنا الأخلاقية والمعنوية القومية العظيمة التي لا زالت إلى يومنا هذا تلعب دوراً حاسماً في بلورة وتطور الثقافة الشعبية يريد أن يقابل بها على القيم الدينية.

عشية الاحتفالات بعيد النوروز تعالت أصوات بأن هذا العيد ليس من صلب  ثقافتنا. وعلى القائلين بذلك ألا ينسوا أن النوروز بالعكس كأحد الأعياد الوطنية في واقع الحال وليست له أية صلة بأي دين أو مذهب.

 إن مثل هذا التعامل المغرض القصير النظر مع القيم القومية التي لها تاريخ قديم ودور هام لمعرفة الذات عند أفراد المجتمع، لا شك، يورد خللاً بدعائم ثقافة الدولة القومية.

وألا ننسى من كان شعبنا وما هي انجازاته طيلة تاريخه الطويل بآلاف السنين، لأن نسيان تاريخ الأمة المشرف في نهاية الأمر يؤدي إلى زوال روح الأمة.

ولقد أصاب عظماء علم السياسة، إذ قالوا: "لأن تقضي على أمة عليك أن تعزلها من جذورها التاريخية، بما فيه اللغة والثقافة".

وإنني أكرر دائماً أن بزوال اللغة والثقافة تزول الدولة من تلقاء نفسها. ويشهد التاريخ كثيراً من هذه الأمثلة.

فمن هذا المنطلق يكون التعامل مع تاريخ الثقافة وتاريخ التفكر الديني والرسوم والتقاليد القومية والدينية كجزء من سياسة الدولة في مجال الدين ينبغي أن يتم تقييمه في إطار العلم والأسس العلمانية.

وكنت قد صرحت عدة مرات من على منابر المنظمات الدولية والإقليمية الموقرة أننا نكن احتراماً للدين الإسلامي الحنيف باعتباره مصدراً معنوياً وروحياً وأخلاقياً رئيسياً، لأن الإسلام قد أصبح ركناً من الأركان المهمة لرؤيتنا ومعنويات وسلوكيات مجتمعنا.

ومن وجهة النظر هذه علينا أن نحفظ الدين الإسلامي الحنيف من الفتن والتطرف وأن نظهر وجهه المعنوي والأخلاقي المشرق وسماحته للناس وخاصة لشبابنا ونرجع إلى القيم الإسلامية السامية في تربيتهم الأخلاقية والمعنوية.

وبالنسبة لدولتنا العصرية  يكون ائتلاف جميع الناس في البلد وعلى أساسه بلورة وتطوير الهوية القومية الموحدة مصدراً وعاملاً هاماً لتقدم طاجيكستان إلى الأمام.

ولا يخفى على أحد أن أغلب شعب طاجيكستان مسلمون ويربطون هويتهم الثقافية بالإسلام.

لذا فإننا لا يمكن أن نقف جانباً من مصير التدين وحريات الإيمان والاعتقاد وكذلك من قضية تشكل وتنمية هوية الشعب الدينية. وعلى الوجه الأخص في حين اشتدت عملية تسييس الإسلام وارتفعت لهيب النزاعات التاريخية المذهبية، الأمر الذي يشكل خطورة توسعه إلى العالم الإسلامي برمته ينبغي لنا أن نحتفظ بنقاء مذهبنا ونعزز يقظتنا السياسية.

ولعل جماهير شعبنا يذكرون جيداً ما مدى خطورة وتداعيات التدخل الأجنبي في هذه العمليات، لذا يجب أن نكون على حيطة ويقظة من ذلك.

وإن الإسلام الحنيف يدعو الناس إلى الائتلاف والاتفاق ويذم الاختلاف  والتفرق معتبراً إياه علة للحقد والبغضاء وسبباً لضعف المسلمين وتبعيتهم.

وسبحانه تعالى يدين من يثير التفرق ويأمر رسوله وأمته الإسلامية باجتنابه. كما جاء في محكم آياته: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (الأنعام:159).

 كما أن رسول الله (صلعم) في حديث له أمر أمته بالاتفاق والائتلاف ونهى عن التفرق والاختلاف.

وإن احترام القيم القومية والدينية من أولويات سياسة دولة طاجيكستان. ومع ذلك فإننا يجب أن نكمل تباعاً في إطار الدستور ستراتيجية العلاقة بين الدولة والدين في ميزان مصالح المواطنين وحقوقهم وحرياتهم الإيمانية والأهم من ذلك من أجل ضمان الأمن والسيادة الوطنية.

ومما يؤسف له أن حكمة وماهية هذه الحقيقة لا يدركها الجميع، وهنالك أشخاص وجماعات بعينها يسيئون استخدام هذه الحقوق والحريات ليحتجوا بها من مواقع الدين في تمرير مقاصدهم السياسية.

وإنهم أيضاً بدعاوى حماية حقوق وحريات المسلمين وحفظ الأصالة والهوية الدينية يبثون بذور الفتنة والانشقاق بين أبناء البلد الواحد ويؤثرون بذلك على عقول الشباب تاثيراً سلبياً مخلين باستقرار المجتمع وأمن الدولة وحتى أنهم يريدون تغيير مجرى تطور المجتمع.

وإنهم ليس فقط يعملون خلاف متطلبات قوانين الدولة وأخلاق المجتمع فحسب، بل لا يعقلون صريح الأمر القرآني القائل: "الفتنة أشد من القتل".

وهؤلاء الأشخاص يعتبرون أن سياسة الدولة المتسامحة والتربية الروحية القومية من خلال احترام التقاليد والعادات الموروثة هو نوع من عبادة الأسلاف وعدم الاهتمام بالإسلام.

وللأسف أن الأشخاص البسطاء سريعاً ما تخدعهم أكاذيب مثل هؤلاء الحاقدين المفسدين. إن كلام الله الواحد – القرآن العظيم الشأن يحذر المؤمنين بعدم تصديق الفاسقين المنافقين.

يقول الله تعالى في سورة الحجرات، الآية 6: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ

وبكل مسئولية أقول إن دولة طاجيكستان تكن الاحترام لكل الأديان ولكنها من أجل ضمان الاستقرار في المجتمع سوف تقطع الطريق بحزم  أمام كل من يثير الفتن والتفرق.

ونحن علينا أن نتذكر جيداً أن الدولة الديمقراطية والعلمانية يقر بالحقوق والحريات الإيمانية وتكفلها ولكن هذه الحقوق والحريات لا تعفي أحداً من المسئولية أمام القانون ونعمة الاستقلال الوطني وتاريخ الأمة وسائر مصالح أمة ودولة طاجيكستان.

إن الحقوق والحريات مهما كانت لا يجوز أن تتجاوز حدود المقدسات الوطنية التي يقر بها الدستور والتشريعات الخاصة بالقانون الدولي.

وهذا المعنى قد جاء في تشريعات معظم الدول القومية المتحضرة وإن طاجيكستان باعتبارها عضواً في المجتمع الدولي ودولة ذات السيادة لا يمكن أن تظل خارج هذا الواقع.

ومن حسن الحظ أن الأغلبية الساحقة من أبناء بلدنا يؤيدون هذه السياسة ويعلمون جيداً  أنها تنصب في مصلحة الأمة والدولة.

إن دستور جمهورية طاجيكستان يحتم فصل المؤسسات الدينية عن الدولة وينص على تحقيق ذلك للحيلولة دون تدخل مصالح سياسية مغرضة يتبعها أفراد وفصائل لشئون الحريات الإيمانية كشرط من أهم شروط ضمان حقوق الناس  الدستورية لممارسة حرية العبادة.

وكان تسييس الإسلام اصطناعياً في مسير التاريخ قد جلب عواقب وخيمة للحضارة الإسلامية والمسلمين. ونعرف من التاريخ أن سوء الاستفادة من الإسلام للوصول إلى مقاصد سياسية ومناصب قد تسبب لصدامات حامية بين المذاهب وإراقة دماء.

ويفسر البعض الفصل بين الدين والدولة اختلافاً بين العلمانية والدين ليوحي إلى الناس عدم صحة مثل هذا الطرح كأن الدولة تخرج الدين من حياة المجتمع وهذا خطأ إطلاقاً.

بين أن الدولة تتعامل مع الدين باعتباره ركناً من أهم أركان الثقافة القومية ولم تخرجه من الحياة الاجتماعية للمواطنين فحسب، بل أنها تقيم علاقات وثيقة مع المؤسسات الدينية في المجالات الثقافية والمعنوية والأخلاقية والاجتماعية وهذا من مزايا نموذج دولتنا العلمانية.

فالدين الإسلامي المبين إلى جانب تنمية النظام الثقافي المعنوي المتكامل يؤثر تاثيراً كبيراً في بلورة الرؤى عند كثير من الأمم والشعوب.

ولكن لا يجوز النسيان أن القيم المعنوية والأخلاقية الإسلامية على امتداد تاريخها الطويل تعرضت مراراً للأخطار بحكم العوامل السياسية.

أما العلماء والمفكرون المسلمون فكانوا دوماً يعملون جاهدين لإرشاد الناس إلى طريق الصواب والمعرفة الواقعية للإسلام المعتدل.

ومن هذا المنظار ينبغي للعلماء وخدمة الدين الانخراط إلى معالجة القضايا الملحة من اعتبارات أمنية للبلد وبالاستفادة من الإمكانات الفكرية المذهبية، كما كان في حينه صاحب مذهبنا الإمام الأعظم يدعو تلامذته وأتباعه إلى صالح الأعمال والتسامح والاستقامة.

وفي هذا الصدد أود الإشارة إلى أن القيام بدراسات جادة حول مكانة ودور الإسلام في المجتمعات المعاصرة لم يعد قضية علمية بحتة، بل أن له أهمية عملية كبرى.

وغير أن القضية تبدو بسيطة في الوهلة الأولى ولكنها في الأصل معقدة وحساسة للغاية وكما نرى أن في هذا المجال لم يتم بعد عمل شئ يذكر.

لذا فينبغي للمركز الإسلامي ومعاهد ذات علاقة في أكاديمية علوم جمهورية طاجيكستان وكراسي علوم الاجتماع في الجامعات ولجميع العلماء والخبراء في هذا المجال أن يوسعوا نطاق دراساتهم ويقدموا لأهل المجتمع أعمالاً تحليلية علمية.

وأعود أكرر أن مسألة نزعة التطرف التي تنزع إليها بعض التيارات والحركات الإسلامية اليوم قد اصبحت معضلة جادة في العالم الإسلامي، حيث نشعر بآثارها في بلدنا.

وفي غضون خمسة أشهر الماضية تم رصد 32 حالة من التطرف والإرهاب في البلد.

ومما يؤسف له أن العالم الإسلامي اليوم أصابته النزاعات القومية والمذهبية والفكرية.

وإن المنافسات الجيوسياسية من جهة ومن الجهة الأخرى الخلافات القومية والمذهبية أخذت طابعاً دينياً مختلفاً في بوتقة النضال السياسي. وعلى ضوء هذه المنافسات في العالم الإسلامي تمارس الحركات الدينية السياسية نشاطها كوسيلة لتحقيق مصالح جيوسياسية لدول طامعة.

وكنت قلت مراراً وأعود أؤكد مرة أخرى أن التطرف أو الإرهاب ليس له دين ولا مذهب ولا قومية وليس من الصواب الخلط بين هذه الظاهرة المشينة وبين الإسلام، حيث أن مكافحة التطرف والإرهاب والجرائم لا يجوز تعريفها كمكافحة للدين.

ومن الضروري ألا نسمح لهذه المقاصد السئية أن تتغلغل إلى الإسلام وأن مرتكبي الجرائم وأعمال التطرف يجب أن تطبق عليهم العدالة. وفي هذا السياق خطر ببالي بيت شعر يقول:

ليس للإسلام عيبٌ قطّ بحد ذاتهِ

إنما في اسلاميتنا كلُّ عيبٍ إنْ وُجدْ

ومن أكبر الأخطار التي تهدد المجتمعات المعاصرة هي التطرف والإرهاب واستغلال الإسلام لمقاصد فئوية مغرضة.

وإن حماية الإسلام من هذه الظاهرة المنكرة لم تعد من مهمة أجهزة الدولة، بل إنها مهمة أساسية للمؤسسات الدينية والمركز الإسلامي ومجلس شورى العلماء وكل عالم دين إسلامي، فلا أحد يحق له سوء الاستفادة من العقيدة والمعتقدات الدينية وخلطها في طموحاته الشخصية والسياسية.

إن التطرف أو التعصب في كل أشكاله ومظاهره يشكل غاية الخطورة على كل أمة ودولة وعلى كل دين وعقيدة. واليوم قد أصبح من المألوف أن ظواهر التعصب والتطرف والإرهاب ينسبونها عادة إلى البطالة والفقر.

وطبعاً نعلم أن الفقر والبطالة يوفران بيئة ملائمة لنشأة التطرف والإرهاب، ولكن يجب القول بأن التدخل الأجنبي بالاستفادة من مستوى واطئ من العلم والثقافة ومعارف الدين والدنيا وعدم معرفة الذات واللامبالاة إزاء القيم القومية والدينية العليا في الزمن المعاصر تغدو من عوامل ظهور واشتداد التطرف.

وللأسف أن المسئولين في أجهزة الدولة وعلماء الدين والذين لهم قسط من علوم الدين ووجوب اهتمام بهذه القضية بصورة دائمة نجدهم في بعض الحالات يتغاضون عن مهمة إزالة النواقص ويظهرون اللامبالاة والخمول في أداء مهامهم.

وإن مجتمعنا جزء لا يتجزأ من المجتمع الدولي ويلاحظ تأثير التيارات المتطرفة الطارئة على عقول شبابنا الغرر عبر شبكة الانترنت وغيرها من وسائل الإعلام.

وبعض من الشباب من جراء اتباعهم لهذه الأفكار المتطرفة حتى من منظارهم المحدود أعلنوا القيم القومية شركاً وبدعةً.

وإن تجارب الدول المتقدمة في العالم تثبت بوضوح أن التطور العلمي والتكنولوجي الحديث بحد ذاته شرط من شروط التقدم الاقتصادي والاجتماعي ورفع المستوى المعيشى نوعياً.

لذا ينبغي لنا أن نبدي بالغ الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والتكنولوجية لبلدنا ونهضة العلوم والمعارف وتربية الكوادر وإدخال الفن والتكنولوجيا  الحديثة بصورة أوسع.

وفي هذا الصدد يجب التأكيد على المؤسسات التعليم الديني إلى جانب التعليم الديني ينبغي ضرورة اقتناء مناهج تعليم اللغات الأجنبية وتعلم تكنولوجيا المعلومات وغيرها من المهن والاختصاصات المختلفة.

وفي هذا السياق أود أن استقطب انتباهكم إلى قضية أخرى تقليدية هامة في حياة المجتمع. إن الرجل العالم الورع التقي العارف لعلوم الدين يطلق عليه اسم "ملا" في قاموس شعوب آسيا الوسطى. واليوم كل من يرتدي زي الروحاني يسمى "ملا" بغض النظر عن مستوى علمه وتقواه.

وطالما دار الحديث عن ملابس خدمة الدين أود أن أؤكد على نقطة واحدة. إني أفكر أنه قد آن الأوان للأئمة والخطباء في المساجد الجامعة حيث تقع عليهم مسئولية تربية الناس تربية دينية وأخلاقية ينبغي لهم أنفسهم أن يكونوا من حيث الظاهر والباطن و من لحاظ العلم والمعرفة والأخلاق والمعنويات قدوة يقتدى بها في المجتمع.

واليوم أصبح من المألوف أن بعض رجال الدين بغض النظر عن تشرفهم بعنوان "الملا" يقمدمون على أعمال  خلاف القانون ويرتكبون جرائم تسئ إلى سمعة رجل الدين والمسلم.

فعلى سبيل المثال، تم مؤخراً الكشف عن جريمة بناحية باختر بولاية ختلان ارتكبها مواطن يدعى عبد الرحمانوف جابر الملقب بـ "ملا جابر" ليضل بها سبعة من الشباب وكأنه كان يسحر رجال الشرطة والأمن برقى دينية بحيث لا يشعرون بما يقوم به من جرائم.

وفي النتجية قام عدد من الشباب بأعمال إجرامية تحت إشراف هذا الملا تمثلت في نهب أموال وممتلكات  المواطنين بمبلغ حوالي 2 مليون ساماني واكتسب الملا عمولة من ذلك تقدر بما يقارب 200 ألف ساماني.

وعدة سنوات من قبل ثمة رجل من ناحية واسع  باسم صابر غياؤوف البالغ من العمر 34 سنة والمعروف بلقب "ملا صابر" تزوج من امرأة وبعد فترة بنى على ابنتها في 12 من عمرها وهو يكبرها 27 سنة ليرتكب بذلك جريمة وهو الآن على ذمة التحقيق. والطريف أن هذا الزواج المنكر عقده خوجاموف قربان نظر إمام مسجد قرية نواباد من نفس الناحية.

والحالة الأخرى المتعلقة بالجريمة النكراء هي ممارسة أحد الحجاج في ناحية روداكي خدعة لجلب المراهقين إلى بيته لمجالس شرب الخمور وفي حالة السكر اغتصاب امرأة طاجيكية عفيفة جماعياً.

وفي شهر فبراير المنصرم من هذه السنة ألقي القبض في ناحية روشان على مواطن يدعى أردابايف صابر الملقب بـ "الشيخ صابر" الذي بالتآمر مع رجل آخر مدان مرتين من قبل قام بنقل مخدرات تزن 20 كيلو من أفغانستان إلى طاجيكستان.

ومثال آخر. ثمة ملا باسم أحراروف ميرغياث من مدينة استرافشان ادعى الطب الشعبي ليمارس عملاً شيناً بالنسبة لامرأة مريضة وحكم عليه بالسجن بموجب قانون الجنايات.

أو أن ساكناً آخر من مدينة استرافشان باسم سلطانوف دلشود أيضا عرف نفسه طبيباً شعبياً ليتحرش بامرأة شابة يكبرها حوالي 20 سنة لينال عقابه بتغريم 18 ألف ساماني.

أما المواطن عاشوروف مسيم ساكن ناحية راشت فكان في منزله في بيئة غير صحية يمارس مهنة غير مرخص لها لتعليم المراهقين وكان يؤدب من لا يحفظ الدروس بالكي.

أو أن رجلاً يدعى باردايف شيرعلي من ناحية يافان دخل السجن مرتين بجريمة تعاطي المخدرات وتجارتها وأعمال التزوير وبعد الخروج من السجن كان يمارس مهنة الطبابة في مدينة وحدات وناحية فيض آباد، بما فيه طبابة أمراض من قبيل العمي والعقر وأمراض أخرى عديدة، كما أنه كان يمارس الشعوذة والسحر ليستولي على أموال الناس وهو في الوقت نفسه مصاب بمرض تعاطي المخدرات.

وبصدد المسائل المشار إليها تكلف لجنة الشئون الدينية والمركز الإسلامي في طاجيكستان للتركيز على نظافة الملامح الأخلاقية لرجال الدين وفي الوقت نفسه عليهم اتخاذ زي نموذجي لخطباء المساجد يجسد عناصر الثقافة القومية وتنظيم دورات تأهيلية للخطباء في الداخل والخارج بإشراك علماء مختصين.

وإن رجل الدين على كل حال  إن كان من أهل العلم والتقوى لا ينبغي أن يستغل الدين للحصول على منافع مادية. فالقرآن الكريم يقول صريحاً  أن علامة التدين الحقيقي هي حمل الرسالة وتأدية الواجبات الدينية خالصاً لوجه الله واحتساباً للأجر عند رب العالمين.

إذ يقول سبحانه تعالى في سورة "هود" الآية 29: وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ

وإن  في الإسلام كسب الحلال من سنن الأنبياء واتباع هذه السنن أعظم شرف في العبادة.

فالإسلام يعتبر كسب الحلال من القيم العليا للإنسان. والأهم من ذلك أنه يربط شرف الإنسان وكرامته بالعمل ويحثه على ممارسة عمل يناسبهـ فالبركة من الخالق منوطة بحركة من المخلوق.

ومن الفرض في الإسلام أن يختارالإنسان مهنة فالعمل هو الذي يؤمن رزق الإنسان ويزيل التسول وليتخذ الناس بعضهم بعضاً سخرياً.

وكان الأنبياء وعظماء الدين كلهم يمارسون مهنة ما يكسبون بها  رغيف عيشهم وقال داود عليه السلام لرجل لحام: " يا رجل، اعمل لتأكل لأن الله تعالى يحب من يعمل ليأكل". وكانت مهنة رسول الله (صلعم) في البداية رعي الغنم ثم التجارة وكان الإمام الأعظم تاجراً أيضاً.

ونعلم من سيرة هؤلاء العظام أنهم كانوا من ثمار كسبهم الحلال يساعدون آلاف المحتاجين. وإن فلاحة مولانا يعقوب جرخي وتدريس الإمام الغزالي كان كل ذلك مدرسة  عظيمة للكدح والطهر والرزق الحلال وعبرة لنا اليوم لنعتبر. لذا يجب على علماء الدين أن يتعلموا مهنة ما إلى جانب علومهم الدينية.

الحضور الكرام،

إننا مع احترامنا للكسب في الإسلام ألا ننسى أن لأئمة مساجدنا أسوة بمختلف الشرائح الاجتماعية دوراً بارزاً في تربية شعب طاجيكستان  المعنوية والدينية.

وإن تجارب الدول الإسلامية  على مدى التاريخ أقرت برعايتهم المادية.

وفي هذا الصدد تكلف وزارة المالية ولجنة الشئون الدينية بالاشتراك مع الجهات المختصة باتخاذ ما يلزم لتخصيص مرتبات شهرية لأئمة المساجد اعتباراً من شهر يناير 2014م.

وإن الأئمة والخطباء ورجال الدين يجب قبل كل شئ أن يكونوا قدوة للآخرين يرفعون من مستوى علمهم باستمرار مؤيدين للتقدم والتطور وأصحاب مبادرة لصالح الأعمال لإعمار الوطن، حيث أن اليوم في زمن تقدم كوني للعلوم والتكنولوجيا نجد في تجربة حياة بعض الدول الإسلامية أن الدولة لا تحقق التنمية وتتحسن معيشة الناس فيها ما لم تتمسك بناصية العلم والتكنولوجيا.

وبالعكس ينبغي لرجال الدين أن يحثوا الشباب في كل خطبة أو أمر بالمعروف إلى جانب الالتزام بالأخلاق والآداب الحميدة على التعلم واقتناء مهن واختصاصات عصرية واتقان اللغات الأجنبية والمواطنة وإعمار الوطن. وهذا واجبهم الديني ورسالتهم الإنسانية.

لأن شبابنا كلما ازدادوا علماً ومعرفة وأصبحوا أصحاب المهن كلما ازداد الوطن عمرانا وقوة.

كما يجب أن نذكر أن الله تعالى جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

وقال أحد الصحابة الأجلاء أن "طلب العلم عبادة وتكرار العلم تسبيح وتعليم الآخرين صدقة وتكريس النفس للعلم تقرب من الله وأن طريق العلم طريق إلى الجنة..".

وقال الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" : "إن الذي يميز الإنسان من البهيمة هو العلم".

في الألفية الثالثة يتغير العالم، حيث أن الإنسانية كل يوم تحقق اكتشافاً جديداً وهناك يصنعون طائرات تحلق بدون طيار وسيارات تسير بدون سائق، ولكننا نحن ما زلنا في حيرة من أمرنا، كيف تكون العمامة التي نلبسها والحلة التي نرتديها وكأن المجتمع لا توجد فيه مشاكل أخرى تهمنا.

يجب ألا ننسى الماضي، حيث أن هذا التظاهر أو التفاخر منع الأمة الإسلامية من التقدم والنهوض وجعل أرض الإسلام خاضعة للدول المتقدمة، في حال  أن المسلم المتعلم ينبغي أن يتدبر جوهر أوامر كلام الله في طلب العلم والمعرفة وحماية الثغور والسعي مدى الحياة إلى إعمار بلده بالاكتشافات والاختراعات.

كما أن نستذكر الحضارة الإسلامية التي ترعرعت فيها عشرات من العلماء العظام قد برعوا في الرياضيات والعلوم الطبيعية والفيزياء والنجوم وغيرها من العلوم.

وفوق ذلك ألا ننسى أن أول آية أنزلها الله بالوحي إلى رسوله الكريم بدأت بكلمة "إقرأ"، أي "أقرأ باسم ربّك الذى خلق".

وبصدد هذه الأفكار كنت قد قلت من قبل وأكرر ثانية أن الخرافات والتعصب والتطرف من الجهل والظلام ولا يحمل إلا الشقاء إلى شعب طاجيكستان.

والسبب الأساسي لهذه العوامل السلبية هو الابتعاد عن العلم، لذا أتوجه إلى خدمة الدين وعلماء الإسلام مؤكداً: لا تمنعوا الفتيان والفتيات من طلب العلم.

كما أن هنالك مسألة يجب أن تعلموها أنه عندما يبقى أفراد المجتمع أميين ينتشر الظلام في المجتمع ويكون الجهل المركب سائداً فيه. ولا تنسوا حديث رسول الله (صلعم) قال فيه: "من يسلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة".

لذا أؤكد مرة أخرى ألا تمنعوا الشباب من طلب العلم لئلا تكونوا سبباً لعدم الكسب لهم وإن لم يتعلم الشباب اليوم فمن يدير الدولة غداً؟ من يعمر الوطن؟ من يبني لنا طرقاً وسدوداً؟ من ينشئ لنا معملاً؟ من يخترع ويكتشف؟ من يدير شئون العلم والمعارف والطب والثقافة والصناعة والزراعة والحياة في المجتمع ويطورها على وجه العموم؟

وبهذا الصدد أذكركم بأننا بعد أن انتهينا جميعاً من بناء المساجد  فلنبدأ ببناء المدارس والمستشفيات والطرق والأنفاق للسيارات ومعامل صناعية، أي نعمر بلدنا ونجعل حياة شعبنا أفضل مما هو عليه الآن.

وأنتهز هذه الفرصة لأركز اهتمامكم على مسألة أخلاقية هامة يعتبر الإسلام وسائر الأديان السماوية رعايتها من الواجبات الإيمانية والإنسانية.

وهذه المسألة تتعلق بالرحمة والشفقة على المحتاجين والمضطرين. فالإسلام إلى جانب أركانه الخمسة الأساسية يعتبر إيتاء الزكاة والصدقات ركناً ثالثاُ من أركانه الخمسة.

وإن المسلمين الأثرياء يجب عليهم مواساة المحتاجين بالخير والإحسان وأن يخرجوا من أموالهم صدقات وزكاة كل سنة، أما الفقراء فلا وجوب لهم أداء الزكاة والصدقات.

وقال الله تعالى في سورة الحديد، الآية 18: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ

أما فيما يخص تنظيم الصدقات والخيرات ولا سيما إيصالها إلى المحتاجين الحقيقيين ينبغي لخدمة المساجد وعلماء الدين أن يدرسوا تجارب الدول الإسلامية الأخرى في إيجاد طرق شرعية في تحصيل الصدقات وحث الناس على صالح الأعمال.

وفي هذا الصدد يجب التأكيد أن دعم المحتاجين ولا سيما اليتامى من الواجبات الدينية، حيث أن لرعاية لهم أجراً كبيراً وشرفاً عظيماً والله سبحانه وتعالي يبشر عباده من خلال حديث رسوله الأكرم قال: :أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة".

 وجاء في سورة التوبة، الآية 60 أن إيتاء الصدقات للفقراء والمساكين و في الرقاب والغارمين وابناء السبيل. وأن الأحاديث النبوية الشريفة تقرر الصدقات للفقراء والمحتاجين واليتامى والعجزة.

واليوم في بلدنا ما يقارب 102 ألف صبي يتيم و3800 طفل يتيم الأبوين و200 ألف عائلة فقيرة ممن يجب أداء الصدقات لهم.

وبتقديري قد حان الوقت أن تقوم المؤسسات الدينية في المدن والنواحي بتنشيط الدعوة لأداء الصدقات وحث الأثرياء على رعاية اليتامى والمعوقين والعوائل الفقيرة.

ومن أجل الاقتصاد في صرف الصدقات يكون من الأهمية بمكان ربط المركز الإسلامي والمساجد باليتامى  والمحتاجين والعوائل الفقيرة ربطاً مباشراً.

وأن تفتح في جميع المدن والنواحي حسابات مصرفية بأسماء اليتامى حتى تحول إليها صدقات الفطر وغيرها من المساعدات المالية.

وعلى رؤساء الولايات والمدن والنواحي والمجالس البلدية واللجان الدائمة ولجنة الشئون الدينية ووزارة المعارف بالإضافة إلى الأئمة والخطباء القيام بهذا العمل الجماعي والتعاون في تنظيم الدعم المالي.

كما أذكركم بأن الدعوة إلى نمط الحياة السليم للناس وخاصة للشباب والمراهقين والحيلولة دون حدوث جرائم ومخالفات قانونية ومنعهم من الطرق المحفوفة بالمخاطر لا سيما تعاطي المخدرات وغيرها من الأعمال التي تهدد جينات الأمة - يعتبر كل ذلك من واجبات المواطنة يمليها ضمير كل رجل دين.

وإن أحد أركان الإسلام الحنيف هو فريضة الحج ويجب الإشارة إلى أن بفضل الاستقلال الوطني قد توفرت كافة الظروف لأداء هذه الفريضة وكل سنة يؤدي مناسك الحج إلى البيت الحرام أكثر من 6 آلاف حاج.

وفي الوقت نفسه يجب القول بأن بعض الناس جعل من هذه الفريضة وسيلة للتظاهر والتفاخر وقد أقاموا بأدائها دونما ضرورة  5 أو 6 مرات وحتى أكثر من ذلك.

فاحكموا بأنفسكم، ما المنطق والحكمة من وراء عملهم هذا؟  أظن أن الأثرياء بدلاً من التظاهر والتفاخر لو مدوا يد العون إلى اليتامى والمعوقين والعوائل الفقيرة والمحتاجين والمضطرين أو أن يمدوا ماء للشرب إلى قرية أو محلة، او بنوا مدرسة وغرفة تدريس أو عمروا طريقاً لكان أجر ذلك أضعاف. وما أحسن ما قال عظماؤنا بهذا الصدد:

إن كسب القلب حج أكبر

فقلب واحد خير من ألف كعبة

 

إن دولة طاجيكستان تكن احتراماً لمناسك الحج كركن من أركان الإسلام الخمسة وتبدي لها اهتماماً خاصاً ولكن من الضروري أن نرعى المناسك وحكمتها التي قررها الشارع،  والحج فريضة لمن استطاع إليه سبيلا كما جاء ذلك في الآية 97 من سورة آل عمران.

وللأسف، إننا نعرف حالات كثيرة أن مواطنينا رغم ما يعانون من ضيق في معيشتهم وفقر أهلهم وأقاربهم يخرجون لحج بيت الله الحرام أكثر من مرة.

وحتى المرضى الذين تسقط عنهم هذه الفريضة يحاولون بكل السبل أن يحجوا بيت الله.

لذا، ينبغي للجنة الشئون الدينية والمركز الإسلامي وعلماء الدين أن يكثفوا العمل الجاد  لتوعية الناس.

الحضور الكرام،

قبل ست سنوات بهدف تنظيم بعض المراسم الشعبية وحماية المنافع المالية للمواطنين ورفع مستوى ثقافة إقامة الولائم وتخفيض مستوى الفقر تم إصدار أول قانون وطني – قانون جمهورية طاجيكستان بشأن تنظيم التقاليد والأعياد والمراسم.

والوقت كحكَم عظيم قد أثبت أن إصدار هذا القانون في وقته كان ضرورياً وساعد في إصلاح النواقص الموجودة ورفع المشاكل التي كان الناس يعانون منها ليحمي مصالح البلد والمواطن في إطار القيم القومية والدينية الإنسانية العامة وفي ظروف العولمة الشمولية والأزمات المالية والاقتصادية المتتابعة والتغير المناخي والجفاف وشحة المياه والغلاء المعيشي المتزايد.

وصحة هذه الخطوة يقويها ما يدل على أن هذا القانون بعيد صدوره قوبل بالترحيب والمباركة من قبل المواطنين.

وإننا كدولة اجتماعية، إذ نبقى في بحث عن الحلول لمشاكل الناس، استخدمنا من مناخ حر للمجتمع المدني وتأييداً لحقوق المواطنين في الدولة الديمقراطية في سن التشريعات وفقنا في إصدار قانون قومي وشعبي بطبيعته.

وإن التجربة التاريخية تثبت أن الرغبة في الخيلاء والتفاخر والتظاهر لدي الأفراد والفصائل أكثر من مرة جلبت مشاكل ثقيلة على عاتق الحضارات والدول.

لذا، فإن مصادر دينية وأدبية وأخلاقية لشعوب متحضرة متقدمة تحث على الاقتصاد لتحسين تربية الإنسان وتذم الإسراف والتظاهر وأن جميع الكتب السماوية – القرآن الكريم والإنجيل والتوراة والزبور تربي الناس على نبذ الإسراف وتهديهم إلى حياة هادئة منظمة.

وجاء في سورة البقرة، الآية 185: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، أي أنه سبحانه تعالى خلقكم ويسر لكم الحياة الدنيا.

وكان عظماء العلم والأدب لشعبنا روداكي وفردوسي والغزالي وسنائي وعطار وسعدي وحافظ وناصر خسرو ومولانا رومي قد استقبحوا الإسراف والتبذير والتفاخر في أموال الدنيا وحثوا الناس على التواضع ودعم المحتاجين وصالح الأعمال الإنسانية والإيمانية.

وكما صرحت من قبل في ولاية الصغد أن وفق بيانات الأمم المتحدة اليوم أن سُبع سكان العالم يعانون يومياً من الجوع وكل يوم حوالي 20 ألف طفل دون السن الخامسة يموتون بسبب المجاعة وسوء التغذية. واليوم أكثر من مليار من سكان المعمورة يعانون من المجاعة.

إن حكومة طاجيكستان استناداً إلى تجارب الأزمنة الماضية ونظراً لواقع الحياة، أي أنها  قد انتهجت سبيلاً إلى تخفيف العبء عن كاهل الناس وتأمين ظروف معيشة هانئة هادئة للحاضر والمستقبل.

وإن هذا القانون في البلد قبل كل شئ وفر ظروفاً ملائمة لإقامة الولائم، حيث ازداد خلال فترة وجيزة عدد الأعراس وأن آلاف الشباب الذين من قبل ما كانت لديهم  امكانيات مالية  تمكنوا من إقامة حياة عائلية.

إن ولائم العرس في خلال عامي 2005 و2006  بلغت 50 ألف في السنة وفي عام 2008 بلغت 107 ألف وفي السنوات اللاحقة تجاوزت 100 ألف سنوياً.

وإن تطبيق القانون أيضاً أتاح فرصة الادخار في البنوك، حيث ازداد الادخار خلال السنوات الست الأخيرة أكثر من 20 ضعفاً وزالت عادة الاستقراض عند إقامة الولائم وازداد عدد وسائط النقل أضعافاً خلال هذه الفترة، كما ازدادت الخدمات المعلوماتية وخدمة اتصالات الهواتف المحمولة ضعفين.

وأتيحت للمواطنين فرصة تحسين ظروف المعيشة وبناء منازل وإعمار البيوت والأهم من ذلك بدأوا يهتمون اهتماما أكثر بتربية أولادهم.

وفي سياق تطبيق هذا القانون أود أن أخص بالذكر أن رعاية هذا القانون القومي منوط بعمل علماء الدين وخدمة المساجد، لأن أغلب مراسم العزاء التي تجري بالخرافات والإسراف لا يمكن أن يتم دون مشاركة علماء الدين.

ويصف القرآن الكريم المسرفين إخواناً للشياطين وينهى عن التبذير والإفراط في المصروف. لذا ينبغي لرؤساء الولايات والمدن والنواحي وقيادات المجالس البلدية واللجان المحلية ولجنة الشئون الدينية واللجان الدائمة لتنظيم التقاليد والأعياد والمراسم والمركز الإسلامي ومجلس شورى العلماء وأئمة المساجد وخطبائها، كذلك النيابة العامة ووزارات أنفاذ القانون أن يتخذوا اجراءات منتظمة لتربية المواطنين على  الاقتصاد وتدابير صارمة تجاه الخارجين عن القانون.

الحضور الكرام،

مع اطلالة القرن الجديد أخذ يواجه المجتمع البشري تحديات عديدة اقتصادية منها ومالية وبيئية وطبيعية وتضاف إليها مخاطر متنامية للإرهاب والجرائم المنظمة الدولية.

وكما تعلمون من وسائل الإعلام أن مجتمعات الدول الإسلامية في السنوات الأخيرة في كثير من المناسبات يرونها سبباً لكثير من المشاكل والمخاطر.

وفي هذه الظروف من واجبنا أن نكون على أهبة استعداد دائم لصيانة المجتمع من تداعيات الظواهر المنكرة الخطرة والحفاظ على السلم والطمأنينة والاستقرار السياسي وضمان وتعزيز أمن الدولة والشعب.

وإنني لعلى ثقة بأن في هذا الظرف الدقيق يبقى الدين الإسلامي المبين كقوة موحدة ليخدم بقيمه العليا في تربية الشعب في روح التسامح وترغيب الاستقرار والطمأنينة وأن يلعب دوراً مميزاً في تربية الجيل الناشئ في روح معرفة الذات والوعي القومي والمواطنة.

وفي الوقت نفسه وفي ظروف تفاقم أوضاع المنطقة والعالم ستكون رسالة علماء الدين بالاستناد إلى سنن الآباء وتعاليم الدين الإسلامي المبين هي دعوة أفراد المجتمع إلى الإسهام كمواطينين في الوحدة والتفاهم وصيانة الأمن والاستقرار في المجتمع والعمل البناء وتحقيق الأهداف العظيمة لدولتنا المستقلة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة وإعمار وتطوير وطننا الحبيب وألا يظلوا خارج  عملية المساهمة في استقرار المجتمع وتطور الدولة والأمة.

ويكون من أولويات  مهام كل مسئول في الدولة والنشطاء في المجتمع، وفي مقدمتهم ررساء الولايات والمدن والنواحي وقيادات المجالس البلدية واللجان المحلية والآباء والأمهات والأساتذة والمعلمين والعلماء والأدباء والمثقفين عموماً، وكذلك علماء الدين وكل فرد شريف أن ينشر بين الناس، لا سيما بين الشباب القيم العليا الثقافية القومية الدينية المؤلفة من  الخير والإحسان والعدل والإنصاف والسخاء والكرم ودعم اليتامى والمضطرين.

وتقع على كل منا مسئولية أن نكون قبل غيرنا قدوة للمواطنة وأن نحث الناس على إعمار أرض الآباء ونتصدى للولاء للغير والخيانة دفاعاً عن مصالح الأمة والدولة وأن نشعر بالمصالح الوطنية ونكون على يقظة من أمر بلدنا.

ألا ننسى أن الله تعالى جعل سعادة كل شعب وعمارة كل بلد بيد أبنائه وأن كل أمة تتعلم وتعرف وتجتهد وتكدح سوف تنال مناها. وقال الله في كتابه العزيز: " إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ  (الرعد:11).

إذن فينبغي لنا أن نبدأ بتغيير ما بأنفسنا متوجهين إلى معرفة الذات والمواطنة.

وإنني لعلى يقين من أنكم  جميعاً – الحضور الكرام وأبناء شعب طاجيكستان الشرفاء – بالإدراك الصحيح للقضايا المطروحة سوف تظلون تحملون رسالة مقدسة بكل صدق وإخلاص لتعزيز الوحدة الوطنية وتقوية قدرات الدولة وتقدم المجتمع، ولا تدخرون جهداً في سبيل إعمار طاجيكستان العزيزة.

وفي الختام اتمنى لأبناء شعب طاجيكستان الشرفاء الصحة والعافية والتوفيق سائلاً  رب السماوات والأرض أن يديم على بلدنا نعمة الأمن والأمان والسلم والاستقرار، والرخاء والسخاء لكل بيت وأسرة وأن يسدد خطانا على طريق الصواب ويحفظنا من كل سوء ومكروه ويسبغ على هذه الأرض الرحمة والبركة وعلى شعبها الطمأنينة والهناء ويحفظ شباب الأمة في رعايته وعنايته ويوفقهم  فيما يحب ويرضى. 

معلومات إضافية