كلمة فخامة الرئيس إمام علي رحمان رئيس جمهورية طاجيكستان في اجتماعات الدورة الـ72 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة

معالي الرئيس، معالي السيد/ الأمين العام،السيدات والسادة، في مستهل الحديث أنضم بنظرائي لأهنّئ معالي السيد/ ميروسلاف لايتشاك بمناسبة انتخابه رئيساً للدورة الـ72 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة متمنياً له التوفيق في أداء مهامه على أحسن وجه.كما أعرب عن تقديري لمعالي السيد/ بيتر تومسون لدعمه المتواصل لمبادرات طاجيكستان الوطنية والدولية خلال فترة رئاسته للدورة الـ71 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة.

إن التحولات المتسارعة للعولمة على مر العقود الماضية وإن كانت قد مهدت السبل لتنمية العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول والاندماج بين مختلف المناطق في العالم من جانب، إلا أنها من جانب آخر أتت بمشاكل كثيرة على أبناء المعمورة.ونتيجة لذلك هناك عراقيل جادة تعترض مسيرة المساعي والجهود الجماعية للدول الأعضاء في المنظمة والرامية لتحقيق الحياة الآمنة والكريمة للناس.وفي هذه الجانب فإن منظمة الأمم المتحدة لكونها مؤسسة عالمية مرموقة ومستوعبة ينبغي أن تؤدي واجبها فيما بعد بشكل مؤثر في تنسيق المساعي المتواصلة من الدول الأعضاء من أجل المواجهة الفاعلة للمخاطر والتحديات المعاصرة.

معالي الرئيس، في الظروف الراهنة لا يمكن طرح وتسوية القضايا المحورية الحديثة دون تفعيل الإصلاحات الشاملة لمنظمة الأمم المتحدة.وإن هذه العملية يجب أن تسهم في تعزيز إمكانيات المنظمة من أجل التفاعل السريع والمناسب مع الأحداث على مستوى العالم بأسره وإزالة تحديات الزمن المعاصر.والإصلاحات يجب أن يتم تفعيلها وفقاً لمبادئ ومقاصد ميثاق منظمة الأمم المتحدة وأن تشمل مجلس الأمن كجزء تركيبي لها.وإننا نساند التمثيل العادل في مجلس الأمن، ولا سيما على حساب الدول النامية.

الحضور الكرام،نحن اليوم نشهد الأحداث والوقائع المروّعة والمأساوية التي تستمر في مختلف بقاع العالم.وإن توسع نطاق الإرهاب والتطرف والحروب والصراعات المذهبية والجرائم الدولية المنظمة وتهريب المخدرات أمور تشكل مخاطر جادة على أمن بلداننا.وإن تصاعد أنشطة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة وغير ذلك من الحركات المتخلفة في المناطق الساخنة في العالم يضع اليوم أمن كافة سكان المعمورة تحت طائلة الأخطار.ومرة أخرى أؤكد أن التصرفات الشرسة من هذه القوى لا تمت للإسلام بصلة. وإنهم بالعكس يخالفون تعاليم الإسلام الأخلاقية وقيمه السمحة الإنسانية.وإن مكافحة التحديات المشار إليها تتطلب من كافة الدول الأعضاء في المنظمة اتخاذ الخطوات المشتركة الصارمة في إطار القانون الدولي والامتناع عن استخدام المعايير المزدوجة.وإن حكومة طاجيكستان تقوم باتخاذ خطوات محددة بشكل متواصل من أجل مواجهة التحديات والمخاطر الحديثة وتحقيق الأمن والاستقرار الدائم في البلاد، وذلك بالتعاون مع شركائها والمنظمات الدولية، وعلى وجه الخصوص المؤسسات المعنية لدى الأمم المتحدة.وإن تنفيذ المرحلة الثانية للإستراتيجية القومية لجمهورية طاجيكستان لمكافحة الإرهاب والتطرف لفترة إلى سنة 2020م يمثل إحدى هذه الخطوات.وفي هذا الصدد أود أن أذكّر أن الدور المحوري والتنسيقي لمنظمة الأمم المتحدة في عملية وضع وتفعيل الإجراءات السريعة لتسوية الصراعات في المناطق الساخنة في العالم يكتسب أهمية أكثر من ذي قبل.والنجاح في الأعمال المشتركة للحد من الصراعات وتسويتها وبحث السبل السلمية لتسوية الأزمات والخلافات يتوقف قبل كل شيء على التوظيف الرشيد للدبلوماسية الاستباقية وأنشطة الوساطة.وإننا نعتقد أن السلام والاستقرار يمثلان ضماناً لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة والحياة الكريمة والآمنة للناس وخلق الظروف الملائمة لتطوير المجتمع المدني ومراعاة وحماية حقوق الإنسان في كل بلد عضو لدى منظمة الأمم المتحدة.ونحن - الطاجيك – ندرك جيداً قيمة السلام وضرورة حفظه، لأن شعبنا عاش معاناة شديدة في السنوات الأولى لاستقلاله، حيث إن مئات الآلاف من أبناء بلادنا راحوا ضحايا للحرب الأهلية المفروضة علينا.وبفضل إرساء السلام والاستقرار في المجتمع بالذات استطعنا أن نتوصل إلى التنمية الاقتصادية المطردة والحد من مستوى الفقر والارتقاء بالمستوى المعيشي للشعب وتعزيز التعاون المتبادل المنفعة مع مختلف بلدان العالم واتخاذ الخطوات الفاعلة لتحقيق الاندماج الإقليمي.

معالي الرئيس،إن الوضع العسكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في أفغانستان المجاورة لا يمكنه أن يضعنا في موقف اللامبالاة.والتصاعد المتزايد لأنشطة الجماعات الإرهابية في هذا البلد يبعثنا على قلق بالغ.وأخذاً في الاعتبار الوضع الراهن في هذه الدولة نرى أنه من الأهمية والضرورة بمكان اتخاذ الخطوات اللازمة في اتجاه تنسيق المساعي لمحاربة التنظيمات الإرهابية ومكافحة إنتاج وتهريب المخدرات.وإن طاجيكستان تؤيد إسترتيجية التسوية الشاملة لقضية أفغانستان.وفي هذه الفترة فإن إفغانستان حكومة وشعباً بحاجة إلى الدعم والمساعدات الوقتية وخاصة في السنوات العشر الانتقالية.والعامل الهام في هذا الجانب يتمثل في جذب أفغانستان إلى عملية الاندماج الإقليمي عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية معها.ونحن ندعو المجتمع الدولي أن تقدم الدعم والمساعدات الهادفة لأفغانستان في مسيرة الإعمار الاجتماعي والاقتصادي وتطوير البنية التحتية للنقل والاتصالات فيها.وإن طاجيكستان لها حدود مشتركة مع أفغانستان يبلغ طولها 1400 كيلومتر وهي على استعداد للإسهام في هذا العمل الخيري.وإن ربط طرق النقل الرئيسية بين البلدين وتنفيذ مشاريع نقل الطاقة الكهربائية بما في ذلك مشروع كاسا-1000  (CASA-1000) وكذلك تعليم وتدريب المتخصصين والخبراء في مختلف المجالات هي من الاتجاهات التي تتابعها طاجيكستان اليوم.ومكافحة تهريب المخدرات التي يعتبر دخلها من المنابع الأساسية لتمويل الإرهاب الدولي تتطلب جهوداً متضافرة من المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول والمنظمات الدولية والإقليمية.وفي هذا الاتجاه تقوم طاجيكستان بالتعاون المثمر مع الأنظمة المعنية للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية وكذلك على المستوى الثنائي مع الدول الشريكة.وحالياً في البلاد يتم بنجاح تنفيذ الإستراتيجية القومية لمكافحة تهريب المخدرات لفترة إلى سنة 2020م.

معالي الرئيس،إن اعتماد أجندة التنمية العالمية حتى عام 2030م يمثل خطوة نبيلة للمجتمع الدولي من أجل التنمية المستدامة للدول الأعضاء وتغطية كافة فئات المجتمع بهذه العملية.وقد بادرت طاجيكستان خلال السنوات الأخيرة بتفعيل سلسلة من الإجراءات المهمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.وإن حكومة البلاد بالتعاون مع الأنظمة المعنية للأمم المتحدة، ومنها المكتب القُطرٍي لبرنامجها الإنمائي، قامت بإعداد واعتماد الإستراتيجية القومية للتنمية حتى عام 2030م والإستراتيجية  المتوسطة المدى للتنمية حتى عام 2020م.وقد تم تبنّي هاتين الخطّتين بناءً على أجندة التنمية المستدامة العالمية وإننا نعتبر تنفيذهما في الوقت المحدد إسهاماً لبلادنا في تفعيل برنامج التنمية العالمي.وإن طاجيكستان هي واحدة من 43 دولة في العالم التي قامت بعرض تقريرها الوطني التطوعي في شهر يوليو من العام الجاري بمدينة نيو يورك خلال المنتدى السياسي الرفيع المستوى حول التنمية المستدامة.ونحن نرى أنه ضمن عملية التنفيذ المناسب لأجندة التنمية العالمية – 2030م من الضروري بمكان دعم البلدان ذات الظروف والإمكانيات المحدودة وخاصة في قطاع التمويل ونقل التكنولوجيات الحديثة.والجدير بالذكر أن جغرافية البلدان النامية الحبيسة ومحدودية ظروفها للوصول إلى الموانئ البحرية تخلق عوائق جادة أمام عملية تحقيق التنمية المستدامة فيها.وفي هذه الظروف فإن دولاً من هذا القبيل تحتاج لدعم الدول المتطورة والأنظمة المالية الدولية في حل القضايا الخاصة بتطوير البنية التحتية وتفعيل النظام الرشيد للنقل الترانزيتي وتبسيط قواعد التجارة والاندماج الإقليمي.وعلى هذا الصعيد يمكن أن يكون دور مهم أيضاً للأنظمة المعنية للأمم المتحدة، بما في ذلك مجلسها الاقتصادي والاجتماعي.ونحن على ثقة أن مزيداً من العناية بمناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المحورية سيسهم بشكل جدي في التنفيذ الوقتي لأجندة التنمية العالمية – 2030م.السيدات والسادة،قبل سنتين بالضبط نحن – ممثلي المجتمع الدولي – قمنا بتبنّي اتفاقية باريس حول المناخ.وإن أهداف ومقاصد هذه الوثيقة شاملة وهي تحدد السبل الأساسية لجهود ومساعي المجتمع الدولي والرامية منها إلى الحد من انبعاث الغازات الضارة إلى الهواء والتكيف مع التغير المناخي والتحول إلى اقتصادات أقل كربوناً.وطاجيكستان التي تشكل الجبال 93 بالمائة من أراضيها بناءً على خصائصها الجغرافية تُعد عرضةً للتداعيات المدمرة للتغير المناخي والكوارث الطبيعية.سنوياً تضرب البلادَ كوارث طبيعية مختلفة، منها ما تتعلق بالمياه، حيث تلحق بالاقتصاد الوطني خسائر تقدر بمئات الملايين وتخلف خسائر في الأرواح أيضاً.إن عملية التغير المناخي تتسبب في سرعة ذوبان الأنهار الجليدية وتزيد من كميات مياه الأنهار مما يؤثر سلباً على القطاعات المحورية للاقتصاد الوطني، مثل الطاقة المائية والزراعة والصناعة.وعلى مدى 30 سنة مضت تعرض أكثر من ألف نهر جليدي للذوبان من أصل 13 ألف نهر جليدي داخل أراضي طاجيكستان.وهذ في حين أن إمكانيات طاجيكستان ليست كثيرة إلى حد ما من ناحية توظيف القدرات الصناعية التي تعتبر واحدة من المصادر الأساسية لانبعاث الغازات السامة في الهواء، حيث إن 98 بالمائة من الطاقة في البلاد يتم إنتاجها عبر المحطات الكهرومائية – المصادر النظيفة بيئياً.وفي الوقت الراهن تتولد 60 في المائة من الموارد المائية في آسيا الوسطى داخل حدود طاجيكستان.وهذا يعني أن الاستمرار  المتوقع لعملية سرعة ذوبان الأنهار الجليدية من شأنه أن يأتي بتداعيات سلبية على بلورة الموارد المائية في المنطقة.فعليه لقد آن الأوان أن نتحول من الحديث إلى العمل وأن نسهم في تحقيق أهداف اتفاقية باريس.وفي الوقت الحالي قامت طاجيكستان بوضع إستراتيجيتها الوطني للتكيف مع التغير المناخي والتي ترتكز على الاتفاقية المشار إليها.وفي رأينا خلال المرحلة الراهنة تتمثل إحدى سبل التوصل إلى أهداف اتفاقية باريس في تنمية الاقتصاد "الأخضر" وترشيد استخدام موارد الطاقة المتجددة.وفي هذا الجانب نحن نؤكد على دعمنا للمبادرات العالمية - "الطاقة المستدامة للجميع" والعقد الدولي "للطاقة المستدامة حتى عام 2024" ونناشد بأهمية التوصل إلى أهدافها النبيلة.

معالي الرئيس،إن طاجيكستان ستواصل مشاركتها الفاعلة في تفعيل أجندة الأمم المتحدة الخاصة بالمياه.ومن دواعي السعادة أن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في شهر ديسمبر من العام الماضي قامت بتوافق الآراء بتبنّي القرار حول العقد الدولي للعمل "الماء من أجل التنمية المستدامة، لسنوات 2018-2028م".ونحن على يقين تام أن تنفيذ العقد الجديد على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية سيمهد الطريق للتوصل إلى هدف التنمية المستدامة والخاص بالموارد المائية والحفاظ على هذه النعمة الثمينة من أجل الأجيال القادمة.قبل لحظات انعقد بمبادرتنا في مقر منظمة الأمم المتحدة الاجتماع الرفيع المستوى تحت عنوان: "في سبيل تنفيذ العقد الدولي للعمل "الماء من أجل التنمية المستدامة"، حيث أعرب المشاركون آراءهم حول السبل والآليات الفاعلة لتنفيذ العقد الدولي الجديد والتوصل إلى الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة.وبالإضافة إلى ذلك فإننا حرصاً على إنهاء المنقاشات والتداولات للمقترحات واعتماد خطة العمل للعقد ننوي أن نعقد اجتماعاً افتتاحياً "للعقد الدولي للعمل "الماء من أجل التنمية المستدامة"، لسنوات 2018-2028م" في 22 مارس سنة 2018م – في اليوم العالمي للمياه – بمدينة نيويورك، ومؤتمراً دولياً رفيع المستوى في شهر يونيو من عام 2018م بمدينة دوشنبه.وإننا نتطلع إلى أن الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات المالية الدولية والمجتمع المدني والدوائر العلمية والأدبية والشبابية والنسائية ستشارك بفاعلية في مسيرة تنفيذ العقد الجديد وذلك حرصاً على تحقيق الحياة الكريمة لأبناء المعمورة والأجيال القادمة.

وأشكركم على حسن الانتباه.

معلومات إضافية