وزير خارجية جمهورية طاجيكستان سراج الدين أصلوف في حوار مع الإذاعة الآلمانية (DW):

 "دوشنبه لديها ما تقدمه للشركاء"

كشف وزير خارجية طاجيكستان في حوار مع الإذاعة الآلمانية عن طبيعة السياسة الخارجية المتعددة الأطراف التي تنتهجها دوشنبه وحيثيات علاقات بلاده مع الدول المجاورة.

 

قام وزير خارجية طاجيكستان سراج الدين أصلوف بزيارة إلى لوكسمبرغ أواخر شهر أكتوبر 2014م حيث أجرى لقاءات مع مسؤولي وممثلي الاتحاد الأوروبي. وعقب عودته إلى دوشنبه أجرت الإذاعة الألمانية حواراً خاصاً معه تناول نتائج جولته الأوروبية الأخيرة ورؤيته حول آفاق علاقات طاجيكستان مع جيرانها في آسيا الوسطى.

DW: معالي الوزير، قبل عدة أيام رجعتم من أوروبا، حيث تم عقد المباحثات بين طاجيكستان والاتحاد الأوروبي. تحدثوا من فضلكم عن نتائج هذه المباحثات.

-   إن المباحثات البناءة والمثمرة التي أجريناها في إطار مجلس التعاون بين طاجيكستان والاتحاد الأوروبي جرى من خلالها تبادل الآراء والمقترحات حول آفاق التعاون بين الجانبين. وقد تمخض عن هذه المباحثات توافق واتخاذ قرار بشأن إطلاق برنامج إرشادي طويل المدى في إطار إستراتيجية الإتحاد الأوروبي لآسيا الوسطى للسنوات السبع القادمة ومن المقرر أن يخصص الاتحاد الأوروبي 251 مليون يورو لتنفيذ مبادرات رامية لتحقيق التنمية في طاجيكستان.

وهناك تقدم مشهود في علاقات دوشنبه مع بروكسل، يتمثل في حرصها على الاندماج مع النظام الاقتصادي العالمي الأمر الذي يدفع طاجيكستان نحو تعزيز علاقاتها مع الدول الأوروبية الصناعية المتقدمة، إذ إن دوشنبه لديها ما تقدمه للاتحاد الأوروبي.

لدينا قدرات هائلة للطاقة المائية لإنتاج الطاقة الكهربائية النظيفة بيئياً والأقل تكلفةً. كما بإمكاننا أن نقيم مشاريع مشتركة في مجالات الصناعات الخفيفة والنقل وإنتاج وتصدير المنتجات الزراعية وفي مجال التعدين وكذلك في مجال مد خطوط نقل الطاقة الكهربائية. وبالمناسبة أود أن ألفت الانتباه إلى قرار مجلس إدارة البنك الأوروبي للاستثمار القاضي بتخصيص 70 مليون يورو لطاجيكستان من أجل تنفيذ مشروع "كاسا 1000". وإن هذه الخطوة تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الناجح بين الاتحاد الأوروبي ودول منطقتنا بشأن قضايا توفير الطاقة بشكل مستدام.

أفغانستان وتهديدات  للأمن

DW: أثناء تواجدكم في بروكسل حضرتم الاجتماع الذي عقد في معهد جيوتي حول مناقشة قضايا الأمن في آسيا الوسطى في ضوء انسحاب قوات التحالف الدولية من أفغانستان. هل يمثل خروج القوات الدولية بما في ذلك عناصر الجيش الآلماني من أفغانستان أي تهديد للأمن والاستقرار في طاجيكستان؟

-   تتطلع طاجيكستان إلى أن انسحاب القوات الدولية من أفغانستان بعد عام 2014م لن تكون له تداعيات وخيمة لا لأمن أفغانستان نفسها ولا لجيرانها. والقوات الدولية وبما فيه عناصر الجيش الآلماني أنجزت الكثير على مدى السنوات الماضية من تقديم دعم عملي لتعزيز الجيش الوطني الأفغاني، حيث تم رفع قدرات القوات المسلحة وتحسين إمكانيات قوات الأمن الأفغانية حتى تكون مؤهلة لحماية الأمن ليس لهذه الدولة فحسب بل لمواجهة التحديات التي تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

بيد أن الحل العسكري لا يكفي وحده لتسوية القضية الأفغانية، الأمر الذي لطالما أكدته جهود المجتمع الدولي لإقرار السلام في هذا البلد على مدى سنوات كثيرة. فمن أجل ذلك تقتضي الظروف الراهنة التركيز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لقضية تحقيق الأمن والاستقرار على الربوع الأفغانية. وفي هذا المضمار تناشد طاجيكستان المنظمات الدولية والإقليمية وكذلك البلدان المجاورة بالقيام بالدور البناء المطلوب حيال قضية إعمار أفغانستان اجتماعياً واقتصادياً. 

DW: ما هي مبادرات طاجيكستان للعمل على إقرار السلام في أفغانستان؟

-   بعدانسحاب القوات الدولية (إيساف) من أفغانستان يجب أن تستمر المساعدات الهادفة لحكومة وشعب هذا البلد المنكوب في تنفيذ البرامج والخطط الرامية للإعمارالاجتماعي والاقتصادي. ومن المهم أن يتم ضم أفغانستان إلى عمليات التكامل الإقليمي.  وإن طاجيكستان من جانبها مستعدة دائما للتعاون والدعم من أجل إقرار السلام الشامل والاستقرار الكامل في أفغانستان.

كما إننا نولي بالغ العناية بالبنية التحتية المتطورة الخاصة بالنقل والطاقة في أفغانستان والتي من شأنها أن تربط المناطق حول هذه البلاد عبر شبكات سكك الحديد والطرق وخطوط أنابيب النفط والغاز وخطوط نقل الكهرباء. وبشكل عام إن أفغانستان تمتلك قدرات هائلة كفيلة بتحقيق التنمية مما يرشح البلاد لتكون في مصاف أهم شركاء التجارة والاقتصاد ليس لطاجيكستان فحسب بل لغيرها من دول المنطقة. ونحن نؤيد القيادة الأفغانية الجديدة ونعرب عن استعدادنا للتعاون المستقبلي الشامل المتبادل المنفعة مع هذه الدولة.

DW: قبل سنة أعلنت دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي عزمها على تقديم الدعم الفني والعسكري العاجل لطاجيكستان بالإضافة إلى وعودها بشأن وضع برنامج طويل المدى لتعزيز قدرات قوات حرس الحدود الطاجيكية. وهل تلقت دوشنبه من شركائها ذلك الدعم الموعود؟

-   نعم، في الواقع في خريف عام 2013م تم اتخاذ القرار بشأن تقديم الدعم لطاجيكستان لتعزيز الحدود الطاجيكية الأفغانية من قبل المجلس الأمن لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي واليوم هناك خطوات عملية يتم تنفيذها في هذا الاتجاه، علماً بأن بيلاروس بادرت بدعمها من أجل تحسين الإمكانيات المادية والفنية لقوات حرس حدود بلادنا، كما أن هناك مباحثات جارية بهذا الشأن مع الشركاء الآخرين. وفيما يخص روسيا فإننا نواصل تعاوننا حول هذا الموضوع في إطار البرنامج العسكري والفني الثنائي.

وأود أن أؤكد أن حماية الأمن على الحدود الطاجيكية الأفغانية لا تصب لمصلحة طاجيكستان فحسب بل لمصلحة دول رابطة الدول المستقلة كافة. فمن هذا المنطلق نؤكد على أهمية وضرورة وضع وإطلاق برنامج تعزيز حماية الحدود الطاجيكية الأفغانية ليتم العمل به على مدى طويل. وإننا نتوقع أن مبادرة بلادنا لن تحظى بدعم من قبل الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي ورابطة الدول المستقلة فحسب بل من قبل منظمة شانغهاي للتعاون أيضاً.

العلاقات مع أوزبكستان، هل هناك توجه نحو الحوار؟

DW: معالي الوزير، دعونا نتطرق لعلاقات طاجيكستان مع جاراتها في الشمال.  إن مياه العلاقات الراكدة بين طشقند ودوشنبه.تنبئ عن طبيعة صعبة لهذه العلاقات على مدى السنوات الأخيرة. إلا أنه مؤخراً بعد انقطاع طويل استمر أربع سنوات جرت المباحثات بين البلدين على مستوى القمة.  وقد فسر بعض المراقبين هذا التطور بمثابة تحول دولتين متجاورتين من المواجهة إلى الحوار. ماذا يمكن لطاجيكستان أن تعرضه لأوزبكستان من أجل إقامة الحوار؟

-   أريد أن أؤكد على وجه الخصوص أن طاجيكستان تحرص بكل جدية على إقامة التعاون المتكافئ والمتبادل المنفعة مع أوزبكستان. ولكن يجب المصارحة بأن العلاقات بين البلدين ما زالت تشهد استمرار سلسلة من القضايا الإشكالية العالقة التي تحمل آثاراً سلبية على الوضع العام للعلاقات الثنائية فضلاً عن الأضرار التي تلحقها ليس بتنمية البلاد فحسب بل بمصالح المواطنين البسطاء. وفي هذا المضمار فإننا من جانبنا سوف نبذل قصارى جهدنا فيما بعد بغية إحراز التقدم المطرد للعلاقات الطاجيكية الأوزبكية.

ترى دوشنبه أن تعزيز الصلات الثقافية والإنسانية بين الشعبين وتسهيل تبادل الزيارات بين موطني البلدين أمر في غاية الأهمية، بالإضافة إلى ضرورة تنمية العلاقات الثنائية في مجالات التجارة والاقتصاد والطاقة والنقل والاتصالات والعلوم والتعليم، التي تقتضيها مصالح شعبينا وبلدينا.

ولا شك أن حل عقد المشاكل القائمة على ساحة العلاقات بين دوشنبه وطشقند يتطلب الوقت، وإن طاجيكستان من منطلق حرصها على الحوار البناء مع أوزبكستان تعرب كامل استعدادها لبذل ما بوسعها لتحسين العلاقات الثنائية على جميع الأصعدة.  ونتطلع أن نعيد هذه العلاقات إلى مسار ها التقليدي الذي لطالما اتسم بحسن التفاهم والدعم المتبادل. وإن مباحثات القمة التي جمعت بين الزعيمين في سبتمبر من العام الجاري تمثل مؤشراً جيداً وخطوة مهمة تبارك عملية تعزيز التعاون بين البلدين على جميع المستويات.

طاجيكستان وقرغيزستان: قضية ترسيم الحدود تظل غير محسومة

DW: يمر العام الحالي شاهداً على صراعات في مناطق حدودية بين طاجيكستان وقرغيزستان، تطورت حدتها إلى اشتباكات مسلحة أسفرت عن الضحايا في الأروح في بعض الأحيان. فما هي الصيغة التي تقترحها طاجيكستان لتسوية الصراع على الحدود مع قرغيزستان؟

-   إن جذور المشكلة تعود إلى عدم الحسم في ترسيم الحدود بشكل نهائي بين البلدين، حيث إن 506 كم من الحدود الطاجيكية القرغيزية المشتركة فقط تم ترسيمها بين البلدين حتى الآن، مما يشكل 51 في المئة من الخط الحدودي الممتد بين الجارتين. وخلال الفترة الراهنة يتم تكثيف عملية المفاوضات عبر اللجنة الحكومية المشتركة التي تعقد اجتماعاتها المشتركة برئاسة نائبي رئيسي الوزراء للبلدين.

أعتقد أن السلطات المحلية لها دور محوري على توطيد علاقات حسن الجوار ويجب عليها أن تقوم بكل ما بوسعها للحيلولة دون وقوع المواجهات في المناطق الحدودية. وبشكل عام إن كافة القضايا القائمة قابلة للحل شريطة أن تكون هنالك عزيمة سياسية  والرغبة الصادقة في الحوار البناء.

الروابط الاقتصادية مع الصين

DW: كبرى جارات طاجيكستان هي الصين. وستحصل طاجيكستان على استثمارات صينية تقدر بستة مليارات دولار إلى عام 2020م، كما أن دوشنبه ستتلقى قروضاً جديدة من جمهورية الصين الشعبية. هل يمكن لطاجيكستان الحفاظ على بعد تعددية الأطراف لسياستها الخارجية في ضوء تعزيز الصين موقعها في البلاد بهذا الشكل؟

-   نحن مقتنعون بالمستوى الرفيع من تطور العلاقات الثنائية مع الصين، التي تحمل طابع الشراكة الإستراتيجية. بينما نود أن نُطَمئِن بقية شركاء طاجيكستان أن علاقاتنا المتنامية بشكل مطرد مع الصين لا تحول إطلاقاً دون إقامة العلاقات مع دول أخرى. فمن ثم تمضي طاجيكستان قدماً بشكل متوازٍ في تنمية العلاقات المتبادلة المنفعة مع شركائها التقليديين في منظومة رابطة الدول المستقلة وكذلك مع دول أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا. تتبنى طاجيكستان في سياستها الخارجية مبدأ "الانفتاح" الأمر الذي يمثل حقيقة موضوعية تدفعنا نحو تعاون واسع وبناء مع كافة دول العالم، بما في ذلك آلمانيا.

وفيما يتعلق بالاستثمارات الصينية في اقتصاد طاجيكستان، فإنها فعلاً تنمو سنة تلو أخرى وذلك بفضل ما تنعم به بلادنا من مناخ استثماري واعد يفتح المجال للعمل الناجح أمام جميع شركائنا الراغبين في تطوير مشاريع اقتصادية ذات منفعة متبادلة.